الكاتب :صابر العياري
صابر العياري ، صحفي مختص في الصحافة الإلكترونية ورئيس تحرير سابق لعدد من المواقع الإلكترونية
اللشمانيا في حاجب العيون: فهم المرض، أعراضه وطرق الوقاية والعلاج
اللشمانيا في حاجب العيون: فهم المرض، أعراضه وطرق الوقاية والعلاج
أثارت تصريحات النائب بمجلس نواب الشعب عن ولاية القيروان، وليد الحاجي، على موجات إذاعة ديوان أف أم، موجة جديدة من الاضطراب في الساحة الصحية في تونس، بعد أن أعلن عن إصابة 100 شخص بمرض اللشمانيا في معتمدية حاجب العيون من ولاية القيروان، في ظل ضعف البنية التحتية الصحية بالجهة، وعدم تمكّن المرضى من التداوي بشكل كامل، إضافة إلى نقص الإمكانيات اللازمة لإجراء التحاليل الطبية والإقامة بالمؤسسات الصحية لمدة 15 يوم للعلاج.
في المقابل، نفى المدير الجهوي للصحة بالقيروان، معمر الحاجي، هذا الرقم، مؤكدًا تسجيل إصابة 80 شخصًا فقط، مشددا على أن مرض اللشمانيا غير خطير، وهو موجود في عدد من المناطق الأخرى بالولاية، وأن مصالح الصحة العمومية متوفرة وقد قامت بالتدخل اللازم، وفق ما صرّح به لإذاعة الحياة أف أم.
أمام هذا الجدل، يُطرح التساؤل: ما هو مرض اللشمانيا؟ وما هي أعراضه وطرق التداوي منه؟
يُعدّ مرض اللشمانيا من الأمراض الطفيلية، وهو داء تسبّبه طفيليات من جنس الليشمانيا. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يوجد أكثر من 20 نوع من هذا الطفيلي. ومن المعروف أن أكثر من 90 نوعا من ذباب الرمل قادرة على نقل طفيليات الليشمانيا إلى الإنسان.
وقد صنّفت منظمة الصحة العالمية المرض إلى ثلاثة أشكال رئيسية:
داء الليشمانيات الحشوي، المعروف أيضًا باسم الكالازار، وهو الشكل الأخطر من المرض، إذ يكون قاتلًا في أكثر من 95% من الحالات في حال عدم العلاج. يتميّز بظهور الحمى، وفقدان الوزن، وتضخّم الطحال والكبد، إضافة إلى فقر الدم. وتُسجَّل معظم الحالات في البرازيل وشرق إفريقيا والهند.
وتُقدّر منظمة الصحة العالمية عدد الإصابات الجديدة بداء الليشمانيات الحشوي عالميًا بما يتراوح بين 50 و90 ألف حالة سنويًا، في حين لا يُبلَّغ سوى عن 25 إلى 45% من هذه الحالات.داء الليشمانيات الجلدي، وهو الشكل الأكثر شيوعًا، ويتسبّب في ظهور آفات جلدية، غالبًا ما تكون على شكل قروح، في المناطق المكشوفة من الجسم. وتحدث حوالي 95% من حالات هذا النوع في الأمريكتين، وحوض البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى.
ويُقدَّر عدد الحالات الجديدة سنويًا على المستوى العالمي بما بين 600 ألف ومليون حالة، إلا أن نحو 200 ألف حالة فقط يبلغ عنها لمنظمة الصحة العالمية.داء الليشمانيات المخاطي الجلدي، ويؤدي إلى تدمير جزئي أو كلي للأغشية المخاطية للأنف والفم والحلق. وتُسجَّل أكثر من 90% من حالات هذا الشكل في بوليفيا، والبرازيل، وإثيوبيا، وبيرو، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
واشتبهت منظمة الصحة في أن 19 دولة في أفريقيا موبوءة بالمرض، وتحتاج بعض هذه الدول إلى تأكيد لانتقال العدوى.
طرق الانتقال :
ينتقل مرض اللشمانيا عن طريق لدغة أنثى ذبابة الرمل المصابة بالعدوى، والتي تتغذّى على الدم لإنتاج البيض. ويمكن أن يُصاب بالمرض نحو 70 نوع من الحيوانات، وكذلك الإنسان. كما تعد القوارض من بين العوائل الناقلة لطفيليات اللشمانيا، ويُعتبر الكلب المنزلي العائل الخازن الوحيد ذو الأهمية البيطرية الكبرى، حسب المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.
الأعراض :
تشمل داء الليشمانيات الحشوية أعراضًا شائعة مثل الحمى، والتوعك، والقشعريرة، وفقدان الوزن، وفقدان الشهية، إضافة إلى الشعور بعدم الراحة في الجزء العلوي الأيسر من البطن، نتيجة تضخّم الطحال غير المؤلم، مع أو دون تضخّم الكبد. كما قد تظهر أعراض أخرى مثل الهزال وشحوب الأغشية المخاطية.
أما داء الليشمانيات الجلدي، فتختلف أعراضه باختلاف نوع طفيلي الليشمانيا المسبّب للمرض، والحالة المناعية للمصاب، وربما الاستجابات الوراثية لدى المرضى. وتبدأ الآفة الجلدية النموذجية على شكل حبيبات أو بثور في موضع العدوى، ثم تتقرّح وتتصلّب. وعادةً ما يلتئم هذا التصلّب ببطء وعلى مدى فترة طويلة، تاركًا ندبة غائرة مصحوبة بتغيّر في لون الجلد.
الوقاية :
تعتمد الوقاية من عدوى الليشمانيا أساسا على مكافحة العوائل الحيوانية المصابة في المناطق الحضرية وشبه الحضرية، مثل مكافحة داء الليشمانيات الحشوي لدى الكلاب، وذلك باستعمال أطواق الكلاب المشبعة بمادة الدلتامثرين للحدّ من انتشار العدوى بين الكلاب والقوارض. كما تشمل إجراءات الوقاية مكافحة النواقل، من خلال المعالجة بالمبيدات الحشرية، والتدخل في مواقع تكاثر ذباب الرمل، بما يساهم في تقليص خطر انتقال المرض إلى الإنسان.
بالنسبة للمسافرين إلى المناطق الموبوءة بمرض الليشمانيا، تعد أفضل وسيلة للوقاية من العدوى هي حماية أنفسهم من لدغات ذباب الرمل، وذلك من خلال تقليل الأنشطة الليلية في الهواء الطلق، وارتداء ملابس واقية، واستعمال طاردات الحشرات على الجلد المكشوف. ويأتي ذلك وفق ما ورد في موقع clinicalinfo وهو موقع رسمي لحكومة الولايات المتحدة.
العلاج :
يحدد علاج داء الليشمانيا بحسب نوعه (جلدي أو حشوي) وشدة الحالة الصحية للمصاب، ويشمل مجموعة من العلاجات الدوائية والموضعية، من بينها أدوية مثل الأمفوتريسين B، والميلتيفوسين (عن طريق الفم)، والأنتيمونات الخماسية، إضافة إلى بعض العلاجات الموضعية كالعلاج بالتبريد باستخدام النيتروجين السائل أو العلاج بالليزر.
العلاجات الدوائية:
الأمفوتريسين B: يُعدّ فعالًا بشكل خاص في علاج داء الليشمانيات الحشوي، ويُعطى عن طريق الوريد.
الأنتيمونات الخماسية (مثل ستيبوغلوكونات الصوديوم): تُعطى عادةً عن طريق الحقن الموضعي أو العضلي، وقد تكون مؤلمة أو ذات آثار سُمّية، مع تسجيل تزايد في مقاومة الطفيليات لها في بعض المناطق.
البنتاميدين: يُستخدم في بعض الحالات الخاصة، مثل داء الليشمانيات الغياني.
الميلتيفوسين: دواء يؤخذ عن طريق الفم، وهو فعّال في علاج النوعين الجلدي والحشوي، ويعد بديلا في بعض الحالات للعلاجات الحقنية المؤلمة، وغالبا ما يُستخدم بالتزامن مع الباروموميسين.
العلاجات الموضعية (داء الليشمانيات الجلدي):
العلاج بالتبريد (Cryotherapy): يعتمد على استخدام النيتروجين السائل لتجميد الآفات الجلدية، ويتميز بفعاليته وتكلفته المنخفضة، مع آثار جانبية محدودة مثل الاحمرار أو التصبغ.
العلاج بالليزر: ولا سيما الليزر الجزئي (Fractional Laser)، ويستخدم لتحفيز إنتاج الكولاجين والمساعدة على توحيد لون البشرة وتحسين مظهر الندبات.
اللشمانيا في تونس :
تُعدّ تونس من الدول التي ينتشر فيها مرض الليشمانيا بشكل واسع، ويُعزى مصدر انتشار المرض بشكل رئيسي إلى القوارض التي تعيش بالقرب من السباخ والمناطق الرطبة. كما تساهم عوامل التلوث وتراكم الفضلات في وجود القوارض والحيوانات الناقلة للداء، إلى جانب الحشرات.
وفي حوار مع موقع "الترا تونس"، أكد عميد الأطباء البيطريين في تونس، أحمد رجب، أن عدد الحالات المسجّلة على المستوى الوطني يتراوح سنويًا بين 3500 و4000 إصابة، مع تسجيل نحو 20 حالة من داء الليشمانيات الحشوي القاتل.
حقّقت تونس نجاحًا مهمًا في مجال البحوث العلمية الطبية، حيث تصدّرت المرتبة الأولى عربيًا سنة 2019، وفقًا لما نشرته المجلة العالمية BMC المتخصّصة في الأمراض السارية، كأوّل بلد عربي من حيث عدد المنشورات والبحوث المتعلقة بمرض الليشمانيا، وذلك استنادًا إلى البحث التوثيقي العلمي خلال الفترة (1998–2017).
كما صنّفت المجلة معهد باستور بتونس في المرتبة الأولى بين معاهد البحث المتخصصة في الدراسات العلمية حول مرض الليشمانيا.
https://www.facebook.com/share/p/15yWztyH5e/
تعمل وزارة الصحة على التصدي لمرض الليشمانيا من خلال مراقبة الحالات المصابة، واعتماد علاج يخفف من حدة المرض، سواء عبر التداوي بالأدوية المخصصة من قبل الدولة أو باستخدام العلاجات الموضعية مثل الليزر، إضافة إلى توعية المواطنين وإطلاق حملات توعوية للحد من انتشار هذه الآفة في البلاد.
وفي هذا المقال التفسيري، حاولنا التطرق إلى مرض الليشمانيا الطفيلي، الذي قد يتسبب في ظهور حبيبات وآفات جلدية مشوهة، أو في أشكال قاتلة في بعض الحالات. كما سلطنا الضوء على نوعي المرض، الحشوي والجلدي، مستعرضين الأعراض وطرق الوقاية والعلاج، في ضوء تسجيل عدد من الإصابات في منطقة حاجب العيون بولاية القيروان.
الكاتب :صابر العياري
صابر العياري ، صحفي مختص في الصحافة الإلكترونية ورئيس تحرير سابق لعدد من المواقع الإلكترونية