ارتفاع سطح البحر في تونس: بين العاصفة والخلفية المناخية
ارتفاع سطح البحر في تونس: بين العاصفة والخلفية المناخية
في منتصف شهر فيفري 2026، وبالتحديد إثر سلسلة منخفضات جوية متتالية أثّرت على شمال تونس، شهدت منطقة تونس البحرية وامتدادها نحو شارع الحبيب بورقيبة وصول مياه البحر إلى مستويات غير معهودة، حيث اقتربت المياه من الفضاءات الحضرية وتجاوزت حدودها المعتادة. هذا الحدث جاء في سياق اضطرابات متوسطية قوية تميّزت بانخفاض الضغط الجوي، رياح شمالية وشمالية شرقية نشطة، وارتفاع ملحوظ في علوّ الأمواج. الحدث أسفر عن مشهد غير معتاد، لكنه لم يكن كارثة مفاجئة: ارتفاع المياه تزامن مع الظروف الطبيعية والهيدروديناميكية للمنطقة. هنا يطرح السؤال علميًا: هل ما شهدته تونس مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بعاصفة معينة، أم أنها جزء من مسار أوسع للتغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر؟
لماذا يرتفع منسوب البحر أثناء المنخفضات؟
يشرح الباحث في علوم المناخ زهير الحلاوي أن ارتفاع مستوى البحر خلال هذه الأحداث يعود إلى أربعة عوامل رئيسية: 1. الرياح القوية (خاصة الشمالية والشمالية الشرقية) التي تدفع الكتلة المائية نحو الساحل. 2. الأمواج العالية التي تعزز الدفع الساحلي للمياه. 3. المنخفضات الجوية العميقة؛ إذ يؤدي انخفاض الضغط إلى ارتفاع موضعي في مستوى البحر عبر ما يُعرف بتأثير البارومتر العكسي (Inverse Barometer Effect). 4. العامل البشري المتمثل في هشاشة التهيئة العمرانية في مناطق منخفضة.
هذه العناصر تندرج ضمن ما يُعرَف علميًا بظاهرة المدّ العاصفي (Storm Surge)، وهي ظاهرة موثّقة في الأدبيات المناخية المتوسطية. فقد بيّنت دراسة منشورة في مجلة Regional Environmental Change أن المنخفضات المتوسطية العميقة قادرة على توليد ارتفاعات مؤقتة معتبرة في مستوى البحر، خاصة في الأحواض شبه المغلقة مثل خليج تونس (Lionello & Scarascia, 2018). :
https://link.springer.com/article/10.1007/s10113-018-1290-1
ارتفاع مستوى سطح البحر: الخلفية المناخية طويلة المدى إلى جانب العوامل الظرفية، تعمل خلفية مناخية أطول مدى تتمثل في الارتفاع التدريجي لمستوى سطح البحر في البحر الأبيض المتوسط نتيجة التمدد الحراري للمياه وذوبان الكتل الجليدية عالميًا. دراسة شاملة في مجلة Scientific Reports أكدت أن مستويات البحر القصوى على السواحل الأوروبية، بما فيها المتوسط، تشهد اتجاهًا تصاعديًا، وأن تفاعل ارتفاع الخلفية المناخية مع العواصف يؤدي إلى تضخيم مخاطر الغمر الساحلي (Vousdoukas et al., 2018). :
https://www.nature.com/articles/s41598-018-24630-0
كما خلصت دراسة في Nature Climate Change إلى أن السواحل الرملية الأوروبية مهددة بتضاعف مخاطر التعرية والفيضانات خلال القرن الحالي، وأن ارتفاعًا في حدود عشرات السنتيمترات يمكن أن يحوّل أحداثًا نادرة إلى ظواهر متكررة (Vousdoukas et al., 2020)
https://www.nature.com/articles/s41558-020-0697-0
و في السياق التونسي، تشير التقديرات إلى إمكانية بلوغ ارتفاع يقارب 30 سم في أفق 2050، مع تركّز التأثير في المناطق الساحلية المنخفضة. هشاشة خليج تونس: بين الجغرافيا والتدخل البشري يتميّز خليج تونس بطبيعة شبه مغلقة نسبيً، ما يجعله أكثر حساسية لتراكم المياه تحت تأثير الرياح الشمالية. إضافة إلى ذلك، فإنّ عدة مناطق بين البحيرة، حلق الوادي، وتونس البحرية تقع على ارتفاعات طبوغرافية ضعيفة جدًا، وبعضها مرتبط بأراضٍ مستصلحة أو معدّلة بشريًا. تشير الدراسات الجيومورفولوجية المنشورة في مجلات مثل: • Ocean & Coastal Management
https://www.sciencedirect.com/journal/ocean-and-coastal-management
• Journal of African Earth Sciences
https://www.sciencedirect.com/journal/journal-of-african-earth-sciences
إلى أن بعض أجزاء الساحل التونسي شهدت تراجعًا في الخط الساحلي واختلالًا في التوازن الرسوبي، مما يضعف قدرة الشاطئ على امتصاص طاقة الأمواج. وعند تقلّص عرض الشاطئ أو تدمير الكثبان الرملية، تصبح ظاهرة تجاوز الأمواج للحواجز (Wave Overtopping) أكثر احتمالًا. علميًا، لا توجد مؤشرات على تغيّر جيولوجي فجائي في المنطقة يفسّر ما حدث. الظاهرة ترتبط أساسًا بعوامل مناخية وهيدروديناميكية، مع احتمال وجود مساهمات موضعية بطيئة (مثل الهبوط الأرضي المحدود). لكن الإطار التفسيري الأساسي يظل مناخيًا، مرتبطًا بتزايد حدة الأحداث القصوى وارتفاع مستوى سطح البحر. المشهد الذي سُجّل في فيفري 2026 لا يمكن اعتباره تسونامي أو انهيارًا كارثيًا مفاجئًا، لكنه يتطابق مع ما تصفه الأدبيات العلمية بـ"المخاطر الساحلية المركبة" (Compound Coastal Risk): تزامن عاصفة قوية مع خلفية مناخية مرتفعة في منطقة منخفضة عمرانيًا.
تشير نتائج ( Scientific Reports 2018) إلى أن تكرار مستويات البحر القصوى مرشّح للزيادة خلال العقود القادمة. وعليه، فإنّ السؤال لم يعد: "هل ستتكرر هذه المشاهد؟"، بل أصبح: "إلى أي مدى سنكون مستعدين لمواجهة هذه الظواهر" من خلال التخطيط العمراني التكيفي وتعزيز الحواجز الطبيعية والهندسية.
الظاهرة ليست ناتجة عن تغيّر جيولوجي مفاجئ، لكنها أيضًا ليست حدثًا معزولًا يمكن تجاهله. علميًا، نحن أمام مسار تدريجي قد يجعل مثل هذه الأحداث تتكرر بشكل أكبر، خاصة في السواحل المنخفضة لخليج تونس، ما لم يتم أخذ ارتفاع مستوى البحر بعين الاعتبار في التخطيط الحضري وإدارة السواحل خلال السنوات والعقود القادمة.
