بين البحر والرمل: تفسير علمي لاختفاء وعودة شواطئ الحمامات
بين البحر والرمل: تفسير علمي لاختفاء وعودة شواطئ الحمامات
شهدت سواحل خليج الحمامات في الفترة الأخيرة اهتمامًا واسعًا بعد تداول صور تُظهر استعادة الشاطئ لجزء من رماله عقب فترة من التراجع الملحوظ نتيجة العواصف المتوسطية.
هذا التحول السريع في مظهر الشاطئ أثار تساؤلات عديدة، خاصة في الأوساط الإعلامية، حيث أوضح الخبير في الشأن المناخي حمدي حشاد خلال حوار إذاعي أن ما يحدث لا يمثل “تعافيًا” نهائيًا للشاطئ، بل هو جزء من دورة طبيعية لحركة الرواسب بين البحر واليابسة. وأشار إلى أن العواصف العنيفة تقوم بنقل الرمال نحو الأعماق، في حين تسمح فترات الهدوء بعودة جزء منها بشكل مؤقت، مؤكدًا أن الشكل الحالي للشاطئ يظل مرحليًا وخاضعًا لعوامل متعددة، من بينها تكرار العواصف والتدخلات البشرية.
في هذا السياق، حاولنا في فريق “تونس تتحرى” التعمّق في تفسير هذه الظاهرة بالاعتماد على مقاربات علمية لفهم ما يحدث فعليًا على مستوى ديناميكية الشواطئ.
https://www.youtube.com/watch?v=Cl6P1pFpY_A
في هذا الإطار، تُظهر سواحل خليج الحمامات بوضوح أنها ليست مساحات ثابتة من الرمل، بل نظم طبيعية ديناميكية تتأثر بتوازن دقيق بين الرواسب الداخلة إلى الشاطئ وتلك الخارجة منه، وهو ما يُعرف في الجيومورفولوجيا الساحلية) هي فرع من الجغرافيا والعلوم الأرضية يدرس أشكال سطح الأرض وكيف تتكوّن وتتغيّر مع الزمن.( بـ التوازن الرسوبي. هذا مفهوم أساسي يساعدنا في تطور الشواطئ الرملية، حيث يبيّن أن أي خلل في هذا التوازن يؤدي إما إلى تراكم الرمال أو إلى تآكلها. وقد تناول هذا الإطار النظري عدد من الدراسات المرجعية مثل كتاب Coastal Geomorphology: An Introduction الذي يوضح ديناميكية النظم الساحلية.
https://www.kufunda.net/publicdocs/Coastal%20Geomorphology.pdf
في كتاب Coastal Geomorphology: An Introduction لإريك بيرد، لا يُعرض مفهوم التوازن الرسوبي كعنوان مستقل أو فصل مباشر، بل يتم تناوله ضمنيًا عبر عدة فصول تشرح ديناميكية السواحل الرملية. يظهر هذا المفهوم أساسًا في الأجزاء التي تتناول عمليات الشاطئ (Beach Processes) وحركة الرواسب الساحلية (Coastal Sediment Transport)، حيث يوضح المؤلف كيف تتحرك الرمال بفعل الأمواج والتيارات، وكيف تتحدد حالة الشاطئ بين التآكل والتراكم وفق العلاقة بين كميات الرواسب الداخلة والخارجة. كما يتجلى هذا الإطار النظري في الفصول المتعلقة بـ تغير خط الساحل (Shoreline Changes)، والتي تبيّن أن تقدم الشاطئ أو تراجعه هو نتيجة مباشرة لاختلال هذا التوازن الديناميكي. بالتالي، فإن الكتاب يشرح مفهوم التوازن الرسوبي بشكل غير مباشر من خلال تحليل العمليات الطبيعية التي تتحكم في نقل الرواسب وتوزيعها على طول الساحل، وهو ما يجعله مرجعًا أساسيًا لفهم تطور الشواطئ الرملية دون أن يقدّم المفهوم كمصطلح مستقل قائم بذاته.
أول العوامل المؤثرة في هذا التوازن يتمثل في العواصف وقوة الأمواج. خلال العواصف المتوسطية، تنقل الأمواج عالية الطاقة كميات كبيرة من الرمال من الشاطئ إلى مناطق أعمق، مما يخلق انطباعًا سريعًا باختفاء الشاطئ. إلا أن هذه الرواسب لا تغادر النظام الساحلي بالكامل، بل تبقى ضمنه وتُعاد جزئيًا خلال فترات الهدوء. هذا السلوك موثّق علميًا في دراسة The physical processes of sandy beach evolution under storm and non-storm wave conditions، التي أوضحت أن الأمواج العاصفية تحرك الرواسب نحو عرض البحر، مسببة تآكل الشاطئ الظاهر، بينما تسمح الأمواج الأقل طاقة بعد انتهاء العاصفة بإعادة جزء من هذه الرمال إلى الشاطئ، مؤدية إلى استعادة جزئية للواجهة الشاطئية
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0025322723000774?
العامل الثاني في توازن الشواطئ يتمثل في الانجراف الساحلي للرواسب، أي حركة الرمال على طول الساحل بفعل التيارات البحرية. في الحالة الطبيعية، تسمح هذه العملية بتغذية الشواطئ بالرواسب بشكل مستمر، ما يحافظ على توازنها ويقلل من التآكل الحاد في المناطق المجاورة. غير أن تدخل الإنسان، مثل بناء المرافئ الصغيرة أو الحواجز أو المنشآت السياحية القريبة من الساحل، يؤدي إلى تعطيل هذه الحركة الطبيعية، مما يتسبب في تراكم الرمال في مناطق محددة وزيادة التآكل في مناطق أخرى. وقد شرح كتاب Beach Processes and Sedimentation لمؤلفه بول كومار هذه الآلية بشكل مفصل، موضحًا كيف تؤثر المنشآت الصلبة على الانجراف الساحلي وميزانية الرواسب الشاطئية، وكيف يؤدي أي انقطاع في حركة الرواسب إلى اختلال التوازن الرسوبي للشواطئ الرملية.
إضافة إلى ذلك، ساهم التوسع العمراني والسياحي المكثف في تثبيت أجزاء من الساحل بهياكل صلبة، وهو ما أشار إليه أيضًا الخبير حمدي حشاد في حديثه، مؤكدًا أن هذه التدخلات تُضعف “الهشاشة الجيومورفولوجية” للنظام الساحلي وتُحدث اختلالًا في الدورة الطبيعية للرواسب. هذا الطرح يتقاطع مع ما ورد في كتاب Beaches and Dunes of Developed Coasts الذي يبيّن أن الحلول الهندسية الصلبة قد تحمي مواقع محددة لكنها غالبًا ما تُسرّع التآكل في المناطق المجاورة:
https://www.cambridge.org/core/books/beaches-and-dunes-of-developed-coasts
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال عامل ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي يُسجّل في البحر الأبيض المتوسط معدلات تقارب 3 إلى 4 ملم سنويًا في بعض المناطق، مع تفاوت جغرافي داخل الحوض. ورغم أن هذا الارتفاع لا يفسّر وحده التغيرات السريعة للشواطئ، إلا أنه يساهم تدريجيًا في زيادة تعرضها للتآكل مع مرور السنوات. وقد تناولت هذه الظاهرة دراسة “Observed sea-level rise in the Mediterranean Sea” المنشورة في مجلة Journal of Geophysical Research: Oceans، والتي أظهرت أن معدل ارتفاع سطح البحر في المتوسط أصبح أكثر وضوحًا منذ أوائل الألفية، نتيجة التغيرات الديناميكية للمحيطات والذوبان المستمر للكتل الجليدية العالمية، مما يزيد الضغط على الشواطئ الرملية ويؤثر على توازنها الرسوبي
https://agupubs.onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1029/2022JC019061
في ضوء هذه العوامل، تبدو الصورة الحالية لشاطئ الحمامات انعكاسًا لمرحلة من إعادة التوازن المؤقت داخل نظام ساحلي معقّد. استعادة جزء من الرمال لا تعني نهاية المشكلة، بل تعبّر عن حركة مستمرة للرواسب ضمن نظام حساس لأي تغيّر طبيعي أو تدخل بشري. وقد أشار الخبير حمدي حشاد أيضًا إلى أن بعض الحلول المعتمدة، مثل التغذية الاصطناعية للشواطئ بالرمال، قد تكون مكلفة وغير فعالة إذا لم تستند إلى معطيات علمية دقيقة، وهو ما تؤكده الأدبيات العلمية الحديثة.
في هذا السياق، تتجه العديد من الدول إلى اعتماد مقاربات أكثر استدامة تقوم على التكيّف مع الطبيعة بدل مقاومتها، مثل إعادة تغذية الشواطئ بشكل مدروس، وحماية الكثبان الرملية، والحفاظ على النظم البيئية الساحلية. وقد ناقش هذه المقاربات كتاب Pitfalls of Shoreline Stabilization، الذي يبرز حدود الحلول الصلبة ويدعو إلى بدائل قائمة على الطبيعة:
https://link.springer.com/book/10.1007/978-94-007-4123-2
ختامًا، يُظهر ساحل خليج الحمامات أنه ليس مجرد فضاء سياحي، بل نظام بيئي وجيومورفولوجي ديناميكي يتأثر بتفاعل معقد بين العوامل الطبيعية والتدخلات البشرية. إن فهم هذا النظام، كما أكّد الخبير حمدي حشاد، يظل الخطوة الأساسية قبل أي تدخل، لأن أي خلل في هذا التوازن قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
