تفسيري

فيروس هانتا: ما هو؟ وهل يشكّل تهديدًا عالميًا بعد حادثة السفينة السياحية؟

تفسيري

فيروس هانتا: ما هو؟ وهل يشكّل تهديدًا عالميًا بعد حادثة السفينة السياحية؟

صورة المقال: WIKIMEDIA COMMONS

منذ الإعلان عن تسجيل حالات إصابة ووفيات مرتبطة بفيروس هانتا على متن السفينة السياحية MV Hondius  في 2 ماي 2026 عندما أُبلغت منظمة الصحة العالمية بوجود مجموعة حالات مرضية. ، بدأت موجة واسعة من الإشاعات والتأويلات تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع الحديث عن سلالة نادرة يُعتقد أنها قادرة على الانتقال المحدود بين البشر. وبين التهويل أحيانًا والتقليل من خطورة الوضع أحيانًا أخرى، أصبح من الضروري العودة إلى المعطيات العلمية الدقيقة بدل الاكتفاء بالمعلومات و والروايات المتعددة التي يتم تداولها حاليًا.

وفي هذا السياق، حاولنا في “تونس تتحرى” تقديم قراءة تفسيرية أولية لفيروس هانتا، اعتمادًا على بيانات منظمة الصحة العالمية، وتقارير الهيئات الصحية الدولية، إضافة إلى الدراسات العلمية المحكمة المنشورة حول الفيروس وسلالاته المختلفة، لفهم طبيعة هذا المرض، طرق انتقاله، مدى خطورته، وحقيقة المخاوف المرتبطة بالتفشي الحالي.

ما هو فيروس هانتا؟

لفهم الصورة بشكل أدق، من المهم العودة أولًا إلى التعريفات العلمية الصادرة عن أبرز الهيئات الصحية الدولية.

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن “هانتا” هو اسم يُطلق على مجموعة من الفيروسات الحيوانية المنشأ التابعة لعائلة Hantaviridae، والتي تنتقل أساسًا من القوارض إلى الإنسان. وتوضح المنظمة أن العدوى تحدث غالبًا نتيجة استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو لعاب أو فضلات القوارض المصابة، خاصة في الأماكن المغلقة أو الريفية التي تشهد انتشارًا للقوارض البرية.

https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/hantavirus

أما مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فتشير إلى أن الفيروس يُعد نادرًا نسبيًا، لكنه قد يكون شديد الخطورة، خصوصًا عندما يسبب ما يُعرف بـ«متلازمة هانتا الرئوية» (Hantavirus Pulmonary Syndrome – HPS)، وهي حالة مرضية قد تتطور بسرعة من أعراض شبيهة بالإنفلونزا إلى فشل تنفسي حاد يهدد الحياة.

وتشمل الأعراض الأولية عادة:

الحمى،

الصداع،

آلام العضلات،

الإرهاق،

الغثيان أو الإسهال،

 قبل أن تتطور لدى بعض المرضى إلى:

ضيق حاد في التنفس،

التهاب رئوي،

انخفاض خطير في ضغط الدم،

وفشل في وظائف الرئتين.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن فترة حضانة الفيروس قد تتراوح بين أسبوع واحد وثمانية أسابيع بعد التعرض للعدوى، بينما تظهر الأعراض في أغلب الحالات خلال فترة تمتد من أسبوعين إلى أربعة أسابيع.

ويختلف تأثير الفيروس باختلاف السلالة والمنطقة الجغرافية. ففي الأمريكتين، ترتبط بعض السلالات بمتلازمة رئوية خطيرة قد تصل نسبة الوفيات فيها إلى نحو 38% وفق تقديرات CDC، بينما تنتشر في آسيا وأوروبا سلالات أخرى تسبب ما يُعرف بـ«الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية».

https://www.cdc.gov/hantavirus/about/index.html

و بحسب دراسة علمية تحت عنوان “Hantavirus: an overview and advancements in therapeutic approaches for infection”، ونُشرت بتاريخ 12 أكتوبر 2023 في مجلة Frontiers in Microbiology، تبيّن  أنها تقدّم مراجعة شاملة لفيروس الهانتا من حيث تركيبه، وانتشاره، وآليات تسبّبه في المرض ، وأساليب علاجه.

 توضّح الدراسة أن فيروس هانتا هو فيروس RNA مفرد السلسلة من عائلة Hantaviridae وينتقل أساسًا إلى الإنسان عبر القوارض من خلال فضلاتها أو إفرازاتها، ويُسبب مرضين رئيسيين هما الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية (HFRS) والمتلازمة الرئوية القلبية (HPS)، وكلاهما قد يكون شديدًا وقد تصل نسبة الوفيات في بعض السلالات خاصة في الأمريكتين إلى مستويات مرتفعة. كما تبيّن أن شدة المرض تختلف حسب السلالة والمنطقة الجغرافية؛ ففي آسيا تنتشر  السلالات التي تؤثر على الكلى، بينما في الأمريكتين تنتشر سلالات تستهدف الرئتين وتسبب مضاعفات تنفسية خطيرة، في حين تكون الحالات في أوروبا غالبًا أقل شدة. وتشير الدراسة أيضًا إلى أن للفيروس تاريخًا وبائيًا مهمًا، إذ تم توثيق تفشيات كبيرة خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، ثم تم التعرف عليه بشكل واضح خلال تفشي 1993 في الولايات المتحدة، وهو ما جعله يُصنف لاحقًا كتهديد صحي عالمي متزايد الظهور. 

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10601933/

https://www.who.int/emergencies/disease-outbreak-news/item/2026-DON599

ماذا حدث على متن السفينة MV Hondius؟

أعلنت منظمة الصحة العالمية في بداية ماي 2026 عن رصد تفشٍ مرتبط بفيروس هانتا على متن السفينة السياحية MV Hondius، وهي سفينة متخصصة في الرحلات الاستكشافية والبيئية نحو المناطق القطبية والجزر النائية. وكانت السفينة قد انطلقت من أوشوايا / الأرجنتين يوم 1 أفريل 2026، في رحلة عبر جنوب المحيط الأطلسي شملت عدة محطات معزولة، من بينها القارة القطبية الجنوبية، وجورجيا الجنوبية، وسانت هيلينا، وجزيرة أسنسيون، قبل أن ترسو لاحقًا قبالة سواحل الرأس الأخضر ثم تواصل طريقها نحو جزر الكناري.

https://www.who.int/emergencies/disease-outbreak-news/item/2026-DON599

وبحسب المنظمة، كانت السفينة تحمل على متنها 147 شخصًا بين ركاب وأفراد طاقم،قبل تسجيل سلسلة من الإصابات بأعراض تنفسية حادة مرتبطة بفيروس هانتا. وحتى 7ماي 2026 ، تم الإبلاغ عن ثماني حالات، بينها خمس إصابات مؤكدة مخبريًا وثلاث وفيات، إضافة إلى حالات أخرى وُصفت بالحرجة أو الخفيفة. وظهرت الأعراض على المصابين بين 6 و 28 أفريل 2026، وتمثلت أساسًا في الحمى واضطرابات الجهاز الهضمي، قبل أن تتطور لدى بعضهم بسرعة إلى التهاب رئوي حاد وفشل تنفسي وصدمة صحية. كما أكدت التحاليل أن السلالة المكتشفة هي “فيروس هانتا الأنديزي” (Andes virus)، وهو النوع الوحيد المعروف بإمكانية انتقاله المحدود بين البشر في حالات الاحتكاك القريب والمطول. 

وترجح منظمة الصحة العالمية أن بعض المصابين ربما تعرضوا للعدوى قبل صعودهم إلى السفينة أثناء وجودهم في الأرجنتين، حيث يُعتبر الفيروس متوطنًا في بعض المناطق. ورغم خطورة الحالات المسجلة، شددت المنظمة على أن الخطر الصحي العالمي ما يزال منخفضًا، مع مواصلة التحقيقات الوبائية وتتبع المخالطين وإرسال فرق طبية ومعدات تشخيص لدعم عمليات الفحص والرعاية الصحية. 

الانتشار العالمي 

تُعد عدوى فيروس الهانتا نادرة نسبيًا عالميًا، لكنها تُظهر انتشارًا متفاوتًا حسب المناطق الجغرافية، مع معدل وفيات يتراوح بين أقل من 1% إلى 15% في آسيا وأوروبا، وقد يصل إلى نحو 50% في الأمريكتين، خصوصًا في الحالات المرتبطة بالمتلازمة الرئوية القلبية (HCPS). ويُقدَّر إجمالي الإصابات عالميًا بما بين 10,000 إلى أكثر من 100,000 حالة سنويًا، مع تركّز العبء الأكبر في آسيا وأوروبا. ففي شرق آسيا، لا سيما في الصين وجمهورية كوريا، تستمر الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية (HFRS) في التسبب بآلاف الحالات سنويًا رغم تراجع معدلاتها في العقود الأخيرة، بينما تُسجل أوروبا عدة آلاف من الحالات سنويًا، خصوصًا في المناطق الشمالية والوسطى حيث ينتشر فيروس بومالا (Puumala virus). أما في الأمريكتين، فتُعد HCPS أقل شيوعًا لكنها أكثر خطورة، حيث تُسجل مئات الحالات سنويًا في القارة، مع أقل من 1000 حالة موثقة في الولايات المتحدة بين عامي 1993 و2023، وأعداد محدودة في دول أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وباراغواي. وتشير بيانات حديثة إلى تسجيل 229 حالة و59 وفاة في الأمريكتين حتى الأسبوع الوبائي 47 من عام 2025، و1885 إصابة في أوروبا خلال عام 2023، في حين تستمر الصين وكوريا الجنوبية في الإبلاغ عن آلاف الحالات سنويًا. وبصورة إجمالية، تقدر الدراسات الحديثة عدد الإصابات العالمية سنويًا بما يتراوح بين 60 ألفًا إلى 100 ألف حالة، مع اختلاف واضح في شدة المرض وانتشاره تبعًا لنوع السلالة والمنطقة الجغرافية.

https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/hantavirus

حتى الآن لا يوجد لقاح معتمد ضد فيروس هانتا، كما لا يوجد علاج مضاد فيروسي محدد وفعّال بشكل مؤكد، ويظل التدخل الطبي قائمًا أساسًا على التشخيص المبكر والرعاية الداعمة، خصوصًا في وحدات العناية المركزة مع توفير الدعم التنفسي السريع، وهو ما يمكن أن يرفع بشكل كبير من فرص النجاة. أما الوقاية، فتوصي منظمة الصحة العالمية بتجنب ملامسة القوارض أو فضلاتها، وتهوية الأماكن المغلقة جيدًا قبل تنظيفها، وتجنب الكنس الجاف في المناطق الملوثة، مع الالتزام بغسل اليدين بشكل متكرر، واستخدام الكمامات في البيئات المشتبه بتلوثها، إضافة إلى عزل الحالات المصابة عند ظهور أعراض تنفسية. وفيما يتعلق بتقييم الوضع الصحي، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن خطر الانتشار العالمي لا يزال منخفضًا، ولا توجد حاجة إلى فرض قيود على السفر أو التجارة، مع استمرار المراقبة الدقيقة للوضع والتحقيق في مصدر العدوى. 

وقد أعادت حادثة السفينة MV Hondius تسليط الضوء على فيروس هانتا عالميًا، خاصة مع الاشتباه في احتمال انتقال محدود بين البشر في سلالة Andes، ورغم خطورة المرض وارتفاع معدلات الوفيات في بعض أنماطه، فإنه لا يُعد سريع الانتشار عالميًا حتى الآن، ويبقى التحدي الأساسي في الاكتشاف المبكر، والعزل السريع، ومراقبة المخالطين، خصوصًا في البيئات المغلقة مثل السفن أو المناطق الريفية الموبوءة بالقوارض.