اللحوم الحمراء في العيد: نصائح صحية لتفادي المخاطر
اللحوم الحمراء في العيد: نصائح صحية لتفادي المخاطر
مع اقتراب عيد الأضحى، تعود اللحوم الحمراء لتتصدر موائد العائلات، باعتبارها جزءًا من العادات الغذائية المرتبطة بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية. وفي المقابل، تتجدد النقاشات كل سنة حول تأثير الإكثار من استهلاك اللحوم على الصحة، خاصة مع تزايد معدلات أمراض القلب والسكري وارتفاع الكوليسترول واضطرابات الجهاز الهضمي.
حاولنا في فريق “تونس تتحرى” من خلال هذا المقال أن نبيّن، استنادًا إلى دراسات علمية محكمة وآراء صحية موثوقة، أن اللحوم الحمراء ليست في حد ذاتها مصدر الخطر كما يُعتقد أحيانًا، بل إن طريقة استهلاكها والكميات المفرطة وطرق الطهي غير الصحية هي العوامل التي قد تؤثر سلبًا على صحة الإنسان، خاصة لدى بعض الفئات الحساسة مثل مرضى القلب والكوليسترول والسكري والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في الجهاز الهضمي وكبار السن.
تُعد اللحوم الحمراء مصدرًا غنيًا بالبروتينات عالية الجودة، كما تحتوي على عناصر غذائية أساسية مثل الحديد والزنك وفيتامين B12، وهي عناصر ضرورية لتقوية المناعة والمحافظة على الكتلة العضلية وصحة الدم. لكن، في المقابل، فإن الإفراط في تناولها، خاصة عندما تكون غنية بالدهون أو مصنّعة أو مطهوة بطرق غير صحية، قد يرتبط بارتفاع مخاطر بعض الأمراض المزمنة. وقد خلصت مراجعة علمية شاملة نُشرت سنة 2021 في مجلة Nutrients، اعتمدت على تحليل عدد من الدراسات طويلة المدى، إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استهلاك اللحوم المصنّعة وارتفاع خطر أمراض القلب والشرايين والسكتات الدماغية، في حين بقيت النتائج المتعلقة باللحوم الحمراء غير المصنّعة أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8539526/
https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2021/07/27/red-and-processed-meat-heart-disease-wellness
كما بيّنت دراسة تحليلية كبرى منشورة في European Heart Journal سنة 2023 أن الاستهلاك المرتفع للحوم الحمراء، سواء كانت مصنّعة أو غير مصنّعة، يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني، خاصة عندما يكون ضمن نظام غذائي غني بالدهون المشبعة وقليل الألياف والخضر.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37264855/
وفي هذا السياق، يؤكد المختصون أن الاعتدال يبقى العامل الأساسي للحفاظ على التوازن الصحي خلال أيام العيد. فالجهاز الهضمي قد يجد صعوبة في التعامل مع كميات كبيرة من اللحوم والدهون في فترة قصيرة، ما يفسر انتشار حالات الانتفاخ وعسر الهضم والحموضة بعد الولائم الثقيلة. لذلك يُنصح بتقسيم استهلاك اللحوم على عدة وجبات، وتجنب الإفراط في الأكل دفعة واحدة، مع الحرص على مرافقة اللحوم بالخضر والسلطات الغنية بالألياف التي تساعد على تحسين عملية الهضم وتقليل امتصاص الدهون.
كما تلعب طريقة الطهي دورًا مهمًا في تحديد القيمة الصحية للحوم. فالشواء المعتدل أو السلق يُعتبران أفضل من القلي أو التفحيم المفرط. وتشير أبحاث علمية إلى أن احتراق اللحوم بدرجات عالية قد يؤدي إلى تكوّن مركبات كيميائية مرتبطة بزيادة الالتهابات وبعض المخاطر الصحية عند استهلاكها بكثرة وعلى المدى الطويل. لذلك يُستحسن تجنب تفحيم اللحم وإزالة الدهون الظاهرة قبل الطهي، إضافة إلى التقليل من الملح والدهون الإضافية.
وتبقى بعض الفئات أكثر حاجة إلى الحذر خلال فترة العيد، على غرار مرضى القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول، لأن الإفراط في الدهون المشبعة والصوديوم قد يرفع من العبء على القلب والأوعية الدموية. كما يحتاج مرضى السكري إلى الانتباه لتوازن وجباتهم وتجنب الإفراط في الأكل الدسم، خاصة أن الوجبات الثقيلة قد تؤثر على توازن السكر في الدم.
أما الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الجهاز الهضمي، مثل القولون العصبي أو الحموضة أو عسر الهضم، فقد يواجهون صعوبات أكبر مع الوجبات الغنية بالدهون واللحوم المشوية بكثرة، لذلك يُفضل لديهم اختيار الكميات المعتدلة والابتعاد عن الأكل المتأخر ليلًا. كذلك يُنصح كبار السن بتجنب الإفراط في تناول اللحوم الدسمة، لأن عملية الهضم تصبح أبطأ مع التقدم في السن، ما يزيد احتمالات الشعور بالإرهاق وثقل المعدة.
بالنسبة للمصابين بالنقرس (La goutte)، فإن الإكثار من اللحوم الحمراء والأحشاء قد يرفع مستوى حمض اليوريك في الجسم، وهو ما قد يؤدي إلى نوبات مؤلمة من الالتهاب على مستوى المفاصل، لذلك يُوصى لديهم بالاستهلاك المحدود وتحت إشراف طبي عند الضرورة.
ولا تتوقف النصائح الصحية عند الاستهلاك فقط، بل تشمل أيضًا طرق حفظ اللحوم وسلامتها. فخبراء الصحة يشددون على ضرورة تبريد اللحوم بسرعة بعد الذبح وعدم تركها لساعات طويلة في درجات حرارة مرتفعة، لأن ذلك يزيد من خطر تكاثر البكتيريا والتسممات الغذائية، خاصة في الطقس الحار.
ورغم تعدد الدراسات حول اللحوم الحمراء، يؤكد عدد من الباحثين أن العلاقة بين استهلاك اللحوم والأمراض المزمنة تبقى معقدة وتتأثر بعوامل عديدة، مثل نمط الحياة العام، النشاط البدني، الوزن، واستهلاك الخضار والأطعمة المصنعة. كما تشير بعض التحليلات العلمية إلى أن كثيرًا من الدراسات القائمة تعتمد على الملاحظة الإحصائية، ما يجعل الحديث عن “المنع المطلق” غير دقيق علميًا. لذلك يتفق أغلب المختصين اليوم على أن الحل لا يكمن في الامتناع الكامل عن اللحوم، بل في استهلاكها بوعي واعتدال ضمن نظام غذائي متوازن.
تحليل نُشر في مجلة The Lancet Diabetes & Endocrinology، ناقش العلاقة بين اللحوم الحمراء والمصنعة والإصابة بالسكري من النوع الثاني، مع تأكيد أن نمط الغذاء ككل (الدهون، الألياف، الأطعمة المصنعة) يلعب دورًا أكبر من مجرد كمية اللحم.
https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2024/08/23/meat-red-processed-diabetes-wellness
ووفقًا لمقال نشره موقع MTV Lebanon، فإنّ طهي اللحوم الحمراء على درجات حرارة مرتفعة، خاصة أثناء الشواء المباشر، قد يؤدّي إلى تكوّن مركّبات كيميائية ربطتها دراسات علمية بزيادة احتمال الإصابة ببعض أنواع السرطان، من بينها سرطان القولون وسرطان البروستات. وأشار المقال إلى أنّ هذه النتائج استندت إلى أبحاث منشورة في مجلتَي Cancer Epidemiology, Biomarkers & Prevention وNutrition and Cancer.
وفي ما يتعلّق بالكميات الموصى بها، نقل المقال عن American Institute for Cancer Research التأكيد على أهمية الاعتدال في استهلاك اللحوم الحمراء غير المصنّعة، مع الحدّ قدر الإمكان من تناول اللحوم المصنّعة، إلى جانب تنويع مصادر البروتين ضمن النظام الغذائي للحفاظ على توازن غذائي أفضل.
كما أشارت هذه الدراسات إلى أنّ المخاطر الصحية لا ترتبط باستهلاك اللحوم وحده، إذ تلعب عوامل أخرى دورًا مهمًا كذلك، من بينها السمنة، ونمط الحياة غير الصحي، وقلة النشاط البدني، واستهلاك الكحول، وهو ما يجعل ربط الأمراض بتناول اللحوم فقط تبسيطًا لا يعكس الصورة الكاملة.
https://www.mtv.com.lb/news/939881
وفي النهاية، يبقى عيد الأضحى مناسبة للفرح وصلة الرحم وتقاسم الطعام حول مائدة جماعية، دون أن يتحول إلى فترة ضغط على الجسم والصحة. فالاعتدال، وحسن اختيار طرق الطهي، ومراعاة الحالة الصحية لكل شخص، هي مفاتيح الاستمتاع بهذه المناسبة بطريقة آمنة ومتوازنة.
https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2021/07/27/red-and-processed-meat-heart-disease-wellness
