الكاتب :صابر العياري
صابر العياري ، صحفي مختص في الصحافة الإلكترونية ورئيس تحرير سابق لعدد من المواقع الإلكترونية
هل يحصل الطفل المولود في تونس لأبوين غير نظاميين على الجنسية التونسية؟
هل يحصل الطفل المولود في تونس لأبوين غير نظاميين على الجنسية التونسية؟
نشرت المحامية التونسية وفاء الشاذلي تدوينة جاء فيها: "الفصل الثامن من قانون الجنسية التونسية: يكون تونسيا من ولد بتونس من أبوين عديمي الجنسية مقيمين بتونس منذ خمسة أعوام على الأقل". وتأتي هذه التدوينة في سياق نقاشات متواصلة حول وضعية المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في وضعية إقامة غير نظامية في تونس وأوضاع أبنائهم القانونية.
وقد تزامن نشر هذه التدوينة مع تداول عدد من المنشورات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي التي اعتبرت أن كل طفل يولد في تونس، بمن في ذلك أبناء المهاجرين في وضعية إقامة غير نظامية، يتحصل آليًا على الجنسية التونسية بمجرد الولادة أو بمجرد تسجيله بدفاتر الحالة المدنية.
أمام هذا الجدل المتصاعد وتعدد التأويلات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تربط بين مضمون الفصل الثامن من مجلة الجنسية التونسية وبين وضعية أبناء المهاجرين في تونس، قامت منصة "تونس تتحرى" بتدقيق الادعاء التالي:
"كل طفل مولود في تونس لأبوين مهاجرين في وضعية إقامة غير نظامية يتحصل على الجنسية التونسية آليًا."
وقد تم التحقق من هذا الادعاء بالرجوع إلى نصوص مجلة الجنسية التونسية والتشريعات ذات الصلة لنجد أنه زائف.
https://www.facebook.com/share/p/1992kNSKCU/
قامت منصة تونس تتحرى بداية بالرجوع إلى مجلة الجنسية التونسية ،وتابعنا الفصل الثامن منها لنجد أن النص المنقول عن الفصل الثامن يطابق الصيغة الواردة في مجلة الجنسية التونسية.
وبالعودة إلى المعايير الدولية، تُعرّف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الشخص عديم الجنسية، وفق اتفاقية 1954، بأنه “الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطنًا فيها بمقتضى تشريعها”.
ويُستخدم هذا التعريف للتمييز بين وضعية “عديم الجنسية” ووضعيات أخرى مثل “المهاجر غير النظامي”، إذ لا يُعتبر كل مهاجر غير نظامي عديم الجنسية بالمعنى القانوني.
وبالتالي، فإن الإحالة الواردة في الفصل الثامن من مجلة الجنسية التونسية إلى “أبوين عديمي الجنسية” لا تنطبق على المهاجرين في وضعية إقامة غير نظامية إلا إذا ثبت قانونًا انعدام جنسيتهم وفق المعايير الدولية، وهو ما يختلف عن موضوع الادعاء المتداول.
ومن ناحية أخرى وبالعودة إلى القسم الثاني من مجلة الجنسية التونسية المخصص لإسناد الجنسية التونسية بموجب الولادة في تونس والمتكون من أربعة فصول 7 و8 و9 و10 وجدنا أن الجنسية التونسية لا تمنح فقط بموجب الولادة في المستشفيات التونسية بل توجد فيها شروط وأساسيات محددة وصارمة من ذلك الفصل السابع "يكون تونسياً من وُلِدَ بتونس، وكان أبوه وجدّه للأب مولودين بها أيضاً" ، ليعتبر الشخص حاملاً للجنسية التونسية بصفة أصلية منذ ولادته نظراً لامتداد جذوره في تونس لثلاثة أجيال متتالية (الجد، الأب، والابن) .
ومن ناحية أخرى يشير الفصل الـثامن من مجلة الجنسية التونسية إلى وجود شرطين أساسيين هما ضرورة أن يكون كلا الأبوين من فئة عديمي الجنسية وإثبات الإقامة في تونس لمدة خمسة أعوام على الأقل.
وينشر عدد من المواطنين أيضًا الفصل التاسع من مجلة الجنسية التونسية، مؤكدين أنه يسمح بالحصول على الجنسية التونسية في حالة الولادة لأبوين مجهولين أو العثور على طفل في التراب التونسي، غير أن هذا التأويل يحتاج إلى تدقيق، إذ يتعلق الفصل المذكور بحالات قانونية خاصة ومحددة تتعلق بالأطفال مجهولي النسب.
كما ينص القانون على أنه في صورة ثبوت نسب الطفل لاحقًا (بأي وسيلة قانونية) إلى أب أجنبي، واكتسابه جنسية والده وفق قانون ذلك البلد، يتم التعامل مع وضعيته القانونية وفق ما يقرره القانون التونسي في مادة فقدان أو تعديل الجنسية، وليس وفق قاعدة تلقائية عامة.
وفي هذا الإطار أكد المحامي نافع العريبي في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي أكد فيها أن "القانون التونسي لا يعتمد قاعدة “كل من ولد في تونس فهو تونسي”. أبدا !! والولادة في تونس وحدها لا تكفي.
وأضاف العريبي أن الترسيم بدفاتر الحالة المدنية شيء والجنسية شيء آخر تماما....وهما نصان قانونيان مختلفان فترسيم الولادة هو إجراء قانوني وإداري يثبت أن طفلا ولد في تاريخ ومكان معينين وهو واجب يهم كل مولود أيا كانت جنسية والديه.، أما الجنسية التونسية فهي لا تمنح بمجرد أن الطفل ولد في مستشفى تونسي أو وقع ترسيمه ببلدية تونسية" حسب ما نشره.
ومن ناحية أخرى واصل الأستاذ توضيحه للمسألة بالقول إن "مجلة الجنسية التونسية ضبطت المسألة بدقة وأن الأساس في أن يكون الطفل تونسيا إذا ولد لأب تونسي أو لأم تونسية وذلك بناء على النسب لا مكان الولادة. بمعنى أن الطفل يكون تونسيا ولو ولد خارج تونس ما دام أحد والديه تونسيا".
وبعودة الأستاذ على الفصل 8 موضوع التدوينة أكد على ضرورة الانتباه إلى أن “عديم الجنسية” لا تعني “أجنبي” ولا تعني “مهاجر غير نظامي” بل تعني شخصا لا يحمل جنسية أي دولة " مشيرا إلى أن "عديمي الجنسية" هي فئات اثنية وعشائرية وقبلية في جميع أنحاء العالم ومنهم في إفريقيا وأقرب الأمثلة إلينا هم "الطوارڨ" إلا أنهم أصبحوا يتمتعون بجنسيات البلدان الذين يعيشون فيها رغم طبيعة عيشهم وقلت بذلك اشكاليات "عديمي الجنسية".
وبحديثه عن الطفل من أبوين مجهولين والمولود المعثور عليه في تونس أكد أن النصوص في مجلة الجنسية هي أحكام حمائية لفائدة الطفل مجهول النسب وقرينة قانونية لحماية الطفل وليس بابا مفتوحا لإسناد الجنسية لكل مولود فوق التراب التونسي ولا قاعدة شعبوية لتوزيع الجنسية حسب قوله .
وختم المحامي تدوينته بالقول "الخلاصة البسيطة لمن اختلطت عليهم الأمور: رسم الولادة يثبت واقعة الولادة....أما الجنسية فيضبطها القانون. والدولة عندما ترسم ولادة طفل أجنبي لا “تجنسه” بل تقوم بواجب إداري وقانوني وإنساني تماما كما تسجل واقعة الوفاة أو الزواج أو غيرها من وقائع الحالة المدنية. القانون هو الذي يحدد من هو التونسي وليس الفايسبوك".
https://www.facebook.com/share/p/1SGmHiZCNb/
استنادا على هذه المعطيات، تؤكد منصة "تونس تتحرى" أن الادعاءات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تفيد بأن كل طفل مولود في تونس لأبوين في وضعية إقامة غير نظامية أو لأجانب يتحصل تلقائيًا على الجنسية التونسية بمجرد الولادة أو التسجيل بدفاتر الحالة المدنية، هي ادعاءات زائفة .
فالقانون التونسي لا يعتمد قاعدة منح الجنسية على أساس مكان الولادة وحده، بل يحدد شروطًا دقيقة ترتبط أساسًا بالنسب أو بحالات استثنائية منصوص عليها في مجلة الجنسية، مثل حالة عديمي الجنسية أو الأطفال مجهولي النسب وفق ما ينص عليه القانون.
الكاتب :صابر العياري
صابر العياري ، صحفي مختص في الصحافة الإلكترونية ورئيس تحرير سابق لعدد من المواقع الإلكترونية