تفسيري

ما هي نسبة الفائدة المديرية؟ ولماذا يرفعها البنك المركزي أو يخفضها؟

تفسيري

ما هي نسبة الفائدة المديرية؟ ولماذا يرفعها البنك المركزي أو يخفضها؟

أبقى البنك المركزي التونسي خلال اجتماع مجلس إدارته يوم 3 جوان 2026 على نسبة الفائدة المديرية في حدود 7% وأكد البنك، في بلاغ  له أنّ الضغوط التضخمية الناجمة عن العوامل الخارجية شهدت تصاعدا خلال الفترة الأخيرة، متوقّعا أن تنعكس هذه التطورات على تركيبة الأسعار المحلية وأن تدفع التضخّم نحو الارتفاع في الفترة المقبلة.  

وفي نفس البلاغ أضاف البنك أنه "وفي هذا السياق المتسم بمستوى غير مسبوق للشكوك، يؤكد المجلس مجدداً ضرورة مواصلة انتهاج سياسة نقدية حذرة تهدف إلى المحافظة على استقرار الأسعار والحد من التوقعات التضخمية ودعم صلابة التوازنات الاقتصادية الكلية" حسب نص البلاغ. 

فما هي نسبة الفائدة الفائدة المديرية ؟ وما هي أهم الركائز التي تعتمدها للتأثير في الاقتصاد الوطني؟

https://www.bct.gov.tn/bct/siteprod/actualites.jsp?id=1251


تُعرَّف نسبة الفائدة المديرية بأنها نسبة مئوية يحددها البنك المركزي، وتمثل السعر المرجعي أو نسبة الفائدة التي تقترض بها البنوك التجارية الأموال من البنك المركزي. وتُعد هذه النسبة الأداة الرئيسية للسياسة النقدية، والأساس الذي تُبنى عليه مختلف نسب الفائدة الخاصة بالقروض والادخار في الدولة. كما تؤثر في تكلفة القروض والتمويلات لدى البنوك والمؤسسات المالية، ويُعتمد عليها للمساهمة في حماية الاقتصاد الوطني والمحافظة على قيمة الدينار التونسي.

ويتولى البنك المركزي، الذي يُعتبر «بنك البنوك»، تحديد نسبة الفائدة المديرية وتعديلها. فهو يحدد الفائدة المطبقة على معاملاته مع البنوك الوطنية والخاصة، سواء تعلق الأمر بالقروض أو بالعمليات المرتبطة بالسندات المالية. ويمكن للبنك المركزي الترفيع في هذه النسبة أو التخفيض فيها أو الإبقاء عليها دون تغيير، بحسب الأوضاع الاقتصادية والنقدية.

يعتمد البنك المركزي التونسي نسبة الفائدة المديرية كأداة رئيسية لتوجيه السياسة النقدية. وعندما يقرر الترفيع في هذه النسبة أو التخفيض فيها أو الإبقاء عليها، تقوم البنوك التجارية بدورها بتعديل نسب الفائدة المطبقة على القروض والودائع. وترتبط نسب الفائدة على القروض ارتباطًا وثيقًا بالفائدة المديرية، لاسيما عبر نسبة السوق النقدية (TMM)، التي تُعد مرجعًا أساسيًا في تحديد كلفة الاقتراض. وعادة ما تعتمد البنوك المعادلة التالية عند احتساب نسبة الفائدة على القروض:

نسبة الفائدة = نسبة السوق النقدية (TMM) + هامش ربح البنك.

وللبنك المركزي صلاحية الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بهدف كبح التضخم (ارتفاع الأسعار)، وذلك من خلال زيادة تكلفة الاقتراض. ويؤدي هذا الإجراء إلى تقليص السيولة المتداولة في السوق، مما يساهم في تراجع الإنفاق وانخفاض الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية والتشجيع على الادخار وحماية العملة الوطنية. في المقابل، قد يؤدي الترفيع في نسبة الفائدة المديرية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، إذ يدفع بعض المستثمرين إلى العزوف عن الاقتراض لتمويل مشاريعهم بسبب ارتفاع كلفة التمويل، كما يزيد من أعباء سداد القروض بالنسبة إلى الأفراد والمؤسسات.

ومن ناحية أخرى، قد يقرر البنك المركزي تخفيض نسبة الفائدة المديرية بهدف تحفيز النمو الاقتصادي عندما يكون الاقتصاد في حالة ركود. ويعمل هذا الإجراء على تشجيع الاستثمار من خلال تقليص تكلفة الاقتراض، مما يدفع الشركات والمؤسسات إلى الحصول على قروض لتمويل مشاريع جديدة أو التوسع في أنشطتها وتوظيف المزيد من اليد العاملة. كما يساهم تخفيض نسبة الفائدة المديرية في تحفيز الاستهلاك، إذ يصبح الاقتراض لشراء السلع ذات الكلفة المرتفعة، مثل العقارات والسيارات، أو لتمويل النفقات الاستهلاكية، أقل تكلفة، وهو ما يزيد من إنفاق الأفراد وينعش الأسواق. إضافة إلى ذلك، يخفف هذا الإجراء الأعباء المالية على المقترضين من المواطنين والمستثمرين الذين لديهم قروض بنكية بنسبة فائدة متغيرة مرتبطة بنسبة السوق النقدية، وذلك من خلال خفض قيمة الأقساط المستوجبة عليهم.

ويسعى البنك المركزي كذلك إلى دعم بعض القطاعات الحيوية، إذ تستفيد قطاعات مثل الصناعة والبناء والبعث العقاري بشكل مباشر من انخفاض تكلفة التمويل، بما يعزز النشاط الاقتصادي والاستثمار.

رغم فوائد تخفيض نسبة الفائدة المنعكسة في تحريك عجلة الاقتصاد، إلا أن خفض نسبة الفائدة بشكل مفرط أو في أوقات ترتفع فيها الأسعار يمكن أن يؤدي إلى زيادة التضخم. لذلك، توازن البنوك المركزية قراراتها بحذر بين دفع عجلة النمو والسيطرة على غلاء الأسعار وارتفاع نسبة التضخم في الاقتصاد الوطني والبلاد. 

باعتماد نسبة الفائدة المديرية يبقى البنك المركزي متحكما في نسبة التضخم ومحددا أساسيا في نسب الاقتراض حسب ما تقتضيه الوضعية الاقتصادية في إطار سياسة تعديل تدريجية، ممّا يسمح له بمواصلة التحكم في الأسعار وحماية الاقتصاد الوطني من مخاطر التضخم عبر فتح السوق ودعم الاستهلاك عبر فتح القروض أو رفع النسبة ما يمكن من المحافظة على المؤشرات والسيولة. 

حاولنا في هذا المقال التفسيري تسليط الضوء على نسبة الفائدة المديرية ودور البنك المركزي التونسي في سياسته التعديلية للتحكم في التضخم والمحافظة على الأسعار وحماية السيولة السوقية في الاقتصاد الوطني ودوره في التحكم في الاستهلاك ومدى الاقتراض في البلاد.