تفسيري

الجراد الصحراوي في تونس: حقيقة التهديد الراهن

تفسيري

الجراد الصحراوي في تونس: حقيقة التهديد الراهن

منذ أسابيع، تتداول صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس أخبارًا تتحدث عن "غزو وشيك" للجراد، وسط مخاوف من تأثير محتمل على المحاصيل الزراعية. وأمام انتشار هذه الادعاءات وتزايد القلق لدى المواطنين، تسعى "تونس تتحرى" من خلال هذا المقال التفسيري إلى توضيح حقيقة الوضع، وفهم طبيعة الظاهرة، وتحديد مستوى المخاطر الفعلية المرتبطة بالجراد الصحراوي، بالاعتماد على المعطيات العلمية المتاحة والمصادر الرسمية والموثوقة. 

ولفهم مدى صحة هذه المخاوف، من الضروري أولًا التمييز بين أنواع الجراد المختلفة، والتعرف على طبيعة الجراد الصحراوي، والعوامل التي تؤدي إلى تكاثره وانتشاره، قبل تقييم مدى ارتباط الوضع الحالي في تونس بهذه الظاهرة. 

تاريخياً، كانت تونس من البلدان المعرضة لخطر الجراد الصحراوي خلال موجة الجراد الكبرى في شمال إفريقيا بين 1986 و1989. وفي 15 مارس 1988، دخلت أسراب الجراد تونس لأول مرة منذ 28 عاماً، قبل أن تمتد الإصابة إلى 21 ولاية من أصل 23، وفق دراسة عالم الحشرات Allan T. Showler المنشورة في Agricultural Systems سنة 1993. 

ويعود هذا القلق المتكرر إلى الخصائص البيولوجية للجراد الصحراوي (Schistocerca gregaria)، الذي يُصنّف من أخطر الآفات الزراعية المهاجرة عالميًا، لما يتميز به من قدرة كبيرة على التكاثر وتشكيل أسراب واسعة الانتشار قد تضم ملايين الحشرات.  وتكمن خطورته الاستثنائية في قدرته التدميرية الهائلة؛ إذ يوضح الخبير الفلاحي أنيس بن ريانة أن السرب الواحد قد يضم عشرات الملايين من الحشرات، وتستهلك الجرادة الواحدة يومياً كمية نباتات تعادل وزنها تقريباً.

وبالاستناد إلى تقدير افتراضي وضعه الباحثان Christopher S. Potter وAllan T. Showler، كانت نحو 552 ألف هكتار من الأراضي الحبوبية معرضة للخطر، فيما قدّر السيناريو الأسوأ خسارة تصل إلى 40% من إنتاج القمح والشعير السنوي إذا لم تتم السيطرة على الأسراب. ويجب التنبيه إلى أن رقم 40% هو تقدير افتراضي لسيناريو عدم المكافحة، وليس خسارة فعلية سجلتها تونس.  دراسة Potter وShowler حول الأثر الزراعي والاقتصادي و عرض جامعة مينيسوتا للأرقام والتقديرات .

تطورات الوضع الإقليمي الحالي

 شهد منتصف عام 2026 تحركات نشطة للجراد في منطقة شمال غرب إفريقيا. وتتلخص التطورات الميدانية والإقليمية في النقاط التالية: وفقاً لنشرة الجراد الصحراوي رقم 571 الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بتاريخ 6 ماي 2026 (والتي غطت الوضعية خلال أفريل مع توقعات حتى منتصف جوان 2026)، ظهر خلال شهر أفريل جيل جديد من مجموعات الجراد الصحراوي في عدة مواقع بالمغرب بينما تراجعت أعداد البالغين المتكاثرة هناك، كما تراجعت المجموعات في الصحراء الغربية مع انتهاء التكاثر المحلي، فيما سُجلت بعض مجموعات البالغين المتكاثرة في الجزائر خلال العشرية الأخيرة من الشهر؛ وفي المقابل استمرت الأمطار خلال الفترة نفسها في شمال ليبيا ومعظم الجزائر وشمال مالي وجنوب تونس، وهي الظروف التي دفعت الفاو للتنبيه إلى احتمال حدوث تكاثر ربيعي محدود النطاق تحديداً في وسط وشرق الجزائر وجنوب تونس وغرب ليبيا، مع توقّع تحرك بعض مجموعات الجراد اليافع شمال شرقاً نحو منطقة الشرق المغربي وغرب الجزائر (حيث قد يستمر التكاثر حتى جوان)، فيما قد تتجه مجموعات أخرى جنوباً نحو موريتانيا؛ وأوصت المنظمة بمواصلة عمليات المسح والمكافحة بوتيرة مكثفة في كل هذه المناطق. وتكتسب هذه التوقعات حساسية خاصة بالنسبة لتونس لأنها تتزامن مع انطلاق موسم حصاد الحبوب الرئيسية (القمح والشعير) الذي يبدأ عادة في ماي في معظم دول شمال أفريقيا، في وقت تراهن فيه السلطات التونسية على حصاد إضافي يقارب 2 مليون طن متري لموسم 2025-2026 مقارنة بالموسم السابق.

مسار الأسراب: تشير تقارير "الفاو" لشهر جوان وجويلية 2026 إلى أن غالبية الأسراب الصغيرة المتشكلة تتجه جنوباً نحو موريتانيا ودول الساحل الإفريقي، مما يقلل احتمالات زحفها مباشرة نحو تونس في الوقت الحالي.

العوامل المناخية المحفزة: يربط الخبير أنيس بن ريانة نمو الخلايا بثلاثية: (الأمطار الغزيرة، رطوبة التربة الحاضنة للبيض، والغطاء النباتي الأخضر). وتشير التوقعات إلى أن معدل أمطار صيف 2026 سيكون أعلى من المعتاد في غرب وشمال إفريقيا، مما يتطلب إبقاء حالة التأهب مستمرة.

هل يهدد الجراد الصحراوي تونس حالياً؟

وفقاً لأحدث المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة التونسية وتقارير الفاو، لا تشهد تونس حالياً أي انتشار أو غزو للجراد الصحراوي.

ومع ذلك، أكد وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، خلال متابعته اللوجستية، جاهزية تونس الكاملة لمواجهة أي مخاطر محتملة وتكثيف المراقبة بالمناطق الجنوبية والصحراوية المتاخمة للجزائر وليبيا نظراً لقدرة الجراد على قطع مسافات طويلة بفعل الرياح.

لعل أبرز أسباب القلق السائد يعود إلى ما شهدته ولاية القصرين مؤخراً وما تمّ تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي  https://www.facebook.com/watch/live/?ref=watch_permalink&v=883953250976536

https://www.facebook.com/mosaiquefm/videos/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D8%B4%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%88-%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%AA%D9%87/1243566482172764/

 وفي توضيح حاسم عبر إذاعة "إكسبريس أف أم" (برنامج الشارع التونسي بتاريخ 15 جويلية 2026)، بيّن السيد محمد حسن الأزهري (رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بالقصرين) طبيعة الوضع:

"الجراد المنتشر في القصرين هو جراد محلي موجود طبيعياً في تونس، وليس الجراد الصحراوي المهاجر. لقد ساهمت الأمطار الربيعية الاستثنائية ونسب الرطوبة العالية في خروجه وتكاثره بشكل غير معتاد. ويتمركز هذا الانتشار في معتمديات فوسانة، تالة، حيدرة، وجدليان، وتتم مكافحته كيميائياً وحرق بؤره، على الرغم من تسجيل بعض النقص في آليات الرش التي ساهمت في توسيع رقعته محلياً".

بالنسبة لأدوات المواجهة والتدخل الاستباقي أجمع الخبراء على أن الكشف المبكر هو السلاح الأقوى لكسر حلقة التكاثر. وتعتمد استراتيجية المواجهة على:

الرصد الرقمي والميداني: استخدام صور الأقمار الصناعية والخرائط الرقمية، والطائرات المسيرة لتحديد بؤر التكاثر بدقة.

التطبيقات الذكية: تفعيل نظام eLocust3 وتطبيق الهواتف الذكية eLocust3m لتمكين الفلاحين من التبليغ المباشر.

التنسيق الإقليمي المشترك: تبادل المعلومات الفورية بين تونس والجزائر وليبيا ضمن الهيئة الإقليمية لمكافحة الجراد بالمنطقة الغربية (CLCPRO) لمنع تشكل الأسراب وتمددها.

وبناءً على المعطيات المتوفرة حاليًا، تشير المؤشرات إلى أن خطر وصول أسراب الجراد الصحراوي إلى تونس يبقى محدودًا في الوقت الراهن، مع استمرار الحاجة إلى المراقبة واليقظة. غير أن التقلبات المناخية الإقليمية تفرض مواصلة الرصد وتعزيز جاهزية اللجان الفنية، بما يساهم في حماية الأمن الغذائي التونسي والحفاظ على موسم الحصاد.