تفسيري

من الجفاف إلى السيول: كيف يمكن للتربة أن تزيد من خطر الفيضانات المفاجئة؟

تفسيري

من الجفاف إلى السيول: كيف يمكن للتربة أن تزيد من خطر الفيضانات المفاجئة؟

في نشرة متابعة صادرة يوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 وحُدِّثت الأربعاء 9 سبتمبر، أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأن الوضع الجوي سيتميّز بداية من بعد ظهر يوم الخميس 10 سبتمبر 2026 بنزول أمطار مؤقتا رعدية، تشمل الشمال ومحليا الوسط، وتكون أحيانا غزيرة، مصحوبة بتساقط محلي للبرد وهبوب رياح قوية أثناء ظهور السحب الرعدية.

وبحسب النشرة، تتراوح أعلى كميات الأمطار المرتقبة بين 30 و50 مليمترا بولايات بنزرت، تونس الكبرى، نابل، سوسة، القيروان والكاف، فيما قد تصل إلى حدود 70 مليمترا بولايات جندوبة، باجة، سليانة وزغوان². وعلى إثر ذلك أسند المعهد اللون الأصفر (درجة إنذار عادية) لولايات تونس الكبرى، بنزرت، نابل، باجة، جندوبة، الكاف، سليانة، زغوان، القيروان، سوسة، المنستير، القصرين، سيدي بوزيد، قبلي وتوزر، داعيا إلى توخي الحذر عند ممارسة الأنشطة المرتبطة بتطوّر العوامل الجوية³. ومن المنتظر أن تتواصل الأمطار يوم الجمعة 11 سبتمبر مع انخفاض في درجات الحرارة، خاصة بالشمال والجهات الغربية.

كميات بهذا الحجم -30 إلى 70 مليمترا- تُعتبر مهمة جدا إذا تساقطت في ظرف ساعات قليلة كما هو متوقع، لأنها تفوق غالبا قدرة الأرض على امتصاصها دفعة واحدة، وهو ما ينذر بارتفاع سريع في منسوب الأودية ومجاري المياه، وتجمّع السيول في المناطق المنخفضة، خاصة بالجهات المعنية بالكميات الأعلى (جندوبة، باجة، سليانة، زغوان).

وفي هذا السياق، لا يرتبط خطر هذه الأمطار بغزارتها وحدها، بل أيضا بمدى قدرة التربة على امتصاصها، خاصة بعد فترة الجفاف وموجات الحر التي عاشتها البلاد. ومن هنا، حاولنا في هذا المقال التفسيري فهم الظاهرة التي تُعرف علميا باسم Soil Hydrophobicity، والتي تجعل التربة، بعد فترات الجفاف والحر، أكثر عرضة لتحويل مياه الأمطار إلى جريان سطحي سريع بدل امتصاصها.

يكمن جزء أساسي من هذا الخطر في ظاهرة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، وهي أن أرضا عانت من جفاف طويل وموجات حر متتالية قد ترفض امتصاص الماء بدل أن تتشرّبه. تُعرف هذه الظاهرة علميا باسم "نُضوح التربة" أو "كُره التربة للماء" (Soil Hydrophobicity / Water Repellency)، وهي حالة فيزيائية-كيميائية تصيب الطبقة السطحية من التربة بعد فترات جفاف وحرارة مرتفعة مطوّلة، بحيث تفقد هذه الطبقة قدرتها الطبيعية على التسرّب (Infiltration)، وتظهر مؤقتا وكأنها مطلية بمادة عازلة تصدّ قطرات المطر بدل تشرّبها، وهذا بحسب مراجعة علمية أعدّها الباحث Jiao Mao وزملاؤه، ونشرتها مجلة Journal of Soils and Sediments التابعة لدار النشر Springer Nature سنة 2019.

وبحسب دراسة نشرتها مجلة Geoderma المتخصصة في علوم التربة سنة 2020، تتشكّل هذه الخاصية نتيجة تداخل عدة عوامل:  أهمها انخفاض نسبة الرطوبة في التربة إلى ما دون عتبة معينة بفعل الجفاف الشديد المتكرر، إذ كلما قلّت رطوبة التربة زادت شدّة الخاصية الطاردة للماء. وتضيف الدراسة ذاتها أن الترب الرملية أو ذات المسامية العالية تُظهر استعدادا أكبر لتطوير هذه الخاصية مقارنة بالترب الطينية، خاصة بعد موجات الحر التي تُسرّع تبخّر الرطوبة المتبقي..

والنتيجة أنه بدل أن تتسرّب مياه الأمطار الأولى إلى العمق كما يحدث في تربة رطبة وصحية، فإنها ترتدّ على السطح وتتحوّل بسرعة إلى جريان سطحي. وقد وثّقت هذه الآلية تجريبيا دراسة ميدانية أجراها الباحث G.J. Burch وزملاؤه على غابات الأوكاليبتوس في جنوب شرق أستراليا، ونُشرت في مجلة Hydrological Processes، حيث لاحظ الفريق أن تربة الغابات تطوّر خاصية طاردة للماء بعد فصول الصيف الجافة، ما يقلّص قدرتها على التسرّبذ. وهذه الخاصية مؤقتة عادة، وتزول بعد الأمطار الأولى التي تكسر الطبقة الصلبة تدريجيا وتعيد للتربة قدرتها على التسرّب، غير أنها تكون في أوجها خلال اللحظات الأولى من العاصفة، وتحديدا في أول نصف ساعة إلى ساعة من هطول الأمطار الغزيرة، وهو ما يجعل هذه الفترة بالذات الأكثر خطورة.

وتؤكد دراسة نُشرت سنة 2021 في مجلة Scientific Reports التابعة لمجلة Nature أن نُضوح التربة الناتج عن فترات جفاف طويلة يُسهّل تكوّن الجريان السطحي بشكل ملحوظ، وإن كانت شدة الأمطار الغزيرة جدا تصبح هي العامل الحاسم أكثر من نُضوح التربة نفسه في أقصى الحالات.وكيف تتحوّل التربة الطاردة للماء إلى شبكات جريان سطحي وقنوات مياه صغيرة تنقل الرواسب عبر سطح الأرض، خلافا لما يحدث في تربة عادية تمتص الماء بشكل طبيعي.

وأشار الخبير في الشأن البيئي والمناخي  حمدي حشاد، في منشور على حسابه  على فيسبوك أمس 09سبتمبر 2026، إلى ظاهرة "التربة الطاردة للماء"، موضحًا أن جفاف التربة لفترات طويلة قد يؤثر في قدرتها على امتصاص مياه الأمطار، ما قد يؤدي إلى زيادة الجريان السطحي عند التساقطات الغزيرة. 

عمليًا، يعني هذا أن الأمطار لا تتشرّبها الأرض، بل تنساب فوق سطحها مباشرة، فيتسارع الجريان السطحي نحو الأودية ومجاري المياه والمناطق المنخفضة، ويرتفع منسوب المياه في زمن قياسي، أسرع بكثير مما قد يتوقعه من اعتاد على «سلوك» هذه الأودية في الظروف العادية. وهذا التزامن بين تربة متصلّبة من جهة، وأمطار غزيرة ومركّزة زمنيا من جهة أخرى، هو بالضبط الوصفة الكلاسيكية لما يُعرف بالفيضانات المفاجئة أو Flash Floods، وهي الظاهرة الأكثر خطورة على السالكين والمركبات عند عبور الأودية.

الأمطار تستوجب الحيطة.

تكتسي هذه التساقطات أهمية في ظل فترة من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.  غير أن الظروف المناخية الحالية، من تربة متصلّبة وطاردة جزئيا للماء بعد جفاف طويل، مقابل توقّعات بكميات أمطار مهمة في وقت قصير، تفرض التعامل معها بجدية أكبر من المعتاد. يبقى تجنّب عبور الأودية ومجاري المياه أثناء الأمطار وبعدها مباشرة، حتى لو بدت ضحلة، أهم إجراء وقائي، إلى جانب توخي الحذر في المناطق المنخفضة والمنحدرات المعروفة بتجمّع مياه الأمطار، ومتابعة النشرات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للرصد الجوي أولا بأول.

وقدّم الخبير في طقس تونس، والأستاذ المبرّز في الجغرافيا والباحث في علم المناخ، عامر بحبة، قراءة تفصيلية حول التقلبات الجوية المرتقبة، محذّرًا من تداعياتها المحتملة. وتستدعي هذه الأوضاع توخّي الحذر، خصوصًا من قبل مستعملي الطرقات ورعاة الأغنام، مع ضرورة الالتزام بتوصيات الحماية المدنية.

 كما دعت وزارة الفلاحة الفلاحين ومربي الماشية والبحارة إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر واتخاذ التدابير الوقائية تحسباً لتقلبات جوية مرتقبة ابتداءً من بعد ظهر يوم الخميس 10 سبتمبر.

في النهاية، لا تكمن خطورة الأمطار المرتقبة في كمياتها فقط، وإنما في الطريقة التي قد تستقبل بها الأرض هذه المياه بعد فترة طويلة من الجفاف والحر. فحين تلتقي تربة فقدت جزءا من قدرتها على امتصاص الماء مع تساقطات غزيرة ومركّزة في وقت قصير، قد تتحول الأمطار في ظرف وجيز من نعمة تحتاجها الأرض إلى سيول سريعة يصعب توقع مسارها.

ولا يعني ذلك أن كل أمطار غزيرة ستؤدي حتما إلى فيضانات، فالأمر يرتبط بعوامل عدة، من بينها شدة التساقطات ومدتها وطبيعة التربة والتضاريس ووضعية مجاري المياه. لكن فهم هذه العوامل يجعل الحذر أكثر منطقية، خصوصا عند التنقل قرب الأودية والمناطق المنخفضة.

وفي مثل هذه الظروف، يبقى أفضل ما يمكن فعله هو عدم الاستهانة بالمياه المتجمعة، وتجنّب عبور الأودية ومجاري المياه، ومتابعة التحيينات الرسمية والالتزام بتوصيات الحماية المدنية. فبضع دقائق من الحذر قد تكون كافية لتفادي خطر قد يتطور في دقائق، وهو ما يجعل الوعي بطبيعة هذه الظاهرة جزءا أساسيا من الوقاية.